
ليس القصد من هذا المقال الوقوف في صف أحد, ولا التعريف بأحد, و لا محاولة التقريب و التجميع بين الأطراف, لا, بل الهدف هو معرفة أسباب هذا الصراع و هذا الخوف المعلن من كل طرف من الآخر, و المضر لمصلحة الوطن, فربما إن عرفنا الأسباب نستطيع معالجة الامور وترميم الأسس, ثم أن نبني الجسور و نمد أيدي التصالح و الوفاق.
لقد بات من الواضح ظهور و بروز فئتين فكرييتين في الساحة السياسية الليبية, أولها إسلامية, وثانيها عَلمانية, وكلاهما يكون جماعات أو تكتلات و أحزاب سياسية تتنافس على الحكم في نطاق الديمقراطية و الحرية الفكرية و السياسية. و في الظاهر قد يُرى المواطنون على أنهم قسمين رئيسيين, أحدهما داعم للإسلاميين, و لا أقول معادي أو كاره, بل أقول رافض للعَلمانيين, و الآخر داعم للعَلمانيين رافض للإسلاميين, ولكن في إعتقادي أن الجزء الأكبر من المواطنيين الليبيين لا يتكون من هذا و لا من ذاك, بل يتكون من الوسطيين المسلمسيين بالفطرة الصحيحة, المحبين للمدنية و دولة القانون و المطالبين بأن يكون الإسلام هو المصدر الرئيسي, وربما الوحيد, للتشريع. و قد يختلف أو يتفق معي الكثيرون في هذا التقسيم, ولكن هذا لا يهم فهو ليس مدار حديثنا الآن.
إن الأحداث التاريخية, قديما و حديثاً, أظهرت لنا من كلا الطرفين ما نحبه و ما نكرهه, و من واجب الجميع التنبيه لما حدث و ما قد يحدث مما يخاف عقباه, و الإستفادة مما يحمد تطبيقه. إن مدار معضم هذه الأحداث و هذا الخوف الذي يظهره كل فريق تجاه الآخر إنما هو صراعهم على السلطة, فهي في الظاهر و الباطن جماعات متصارعة تحاول إنهاء بعضها, و هي لا تلتقي إلا في حلبات الصراع السياسي, و على طاولات المناظرة. و هذا مجرد تنويه لواقع يخاف منه و تاريخ مظلم لجماعات و أحزاب من مختلف الدول, وقد لا ينطبق هذا جملةً و تفصيلاً على واقعنا نحن في ليبيا, ولا نريده أن ينطبق, بل أردت بذلك التنويه فقط لكي لا نقع في ذات الجحر الذي وقع فيه غيرنا و لم يخرج منه بعد.
لو تبين , ثم صح هذا القول, لتجلى لنا بوضوح السبب الكامن وراء هذا الخوف. إنما السبب هو الصراع السياسي و التصادم الفكري الجوهري و المتأصل في أيدولوجيات كلا الطرفين, و إنعدام التعاون بينهما. إن هذا الصراع لم و لن يغذي إلا الأنانيات الجماعية و النصرة للذات و الفكر الذي يتبناه كل فريق. و إذا قال أحدهم بل هو خوف على الوطن من ذلك الفريق, أقول: و هل يقتنع العاقل المتبصر لهذه المرحلة و مدى أهميتها و حساسيتها, بأن التشرذم والصراع و تبادل الإتهام و الجرح و القدح, الخالي من الأدلة, و أكرر: الخالي من أي دلالة واضحة على صحته و إنطلاقه من مبدأ إتباع القانون و الأولويات في الأشياء, هل يقتنع بأن هذا خوفٌ على الوطن ؟!! و هل تقام الدول, أو أي جماعة, إلا على الوحدة و التفاهم وإتباع الأولى و الأحوط ؟! وهل تهدم مآذن النداء الوطني إلا بمثل هذه الأشياء ؟!
إذاً و بعد أن عرفنا الأسباب الداعية للخوف أو “الفوبيا”, ما هي الحلول الشاملة و الواجبةِ التطبيق للخروج من نفق الصراع المظلم المخيف؟ إن بذور هذه الحلول واضحة جلية لا تغيب عن أحد, فهي متأصلة في كل الفئات, وهي الساعد الذي أطحنا به عهد الظلمات, وهي المطية التي ركبناها, بكل فئاتنا, و وصلنا بها, بحمد الله, الى مبتغانا و هدفنا الأول المتمثل في إطاحة الحكم الفوضوي. إنها وحدة الهدف و وحدة المصير, وهي الرابطة التي دعتنا الى تشبيك الإيدي و التعاون دون النظر إلا الى الهدف و الأفق المشرق. وهي التي جعلت أعداء الأمس إخوانَ و “خوت الجد الجدد” اليوم, و كلنا يعلم و يسعد بذلك. فلنعد لهذا الذي كنا فيه و متعنا الله به لأننا أخلصنا لوطننا. فنقاط الإتفاق, من أهداف سامية و ديمقراطية و حب للتقدم والرقي, تملئ أفكارنا و عقولنا, فلنتذاكرها و لندرسها و لنشتغل بها, ولا نلقيها في الأدراج و نتناساها لنجري و راء شهواتنا السياسية, و أنانياتنا الجماعية, و أن نفك جراء هذا اللهث, تشابك الأيدي لنلهيها بجمع حطب الدنيا و لنشتبك و نتصارع بها ضد بعضنا البعض.
إن هذه الحلول قد تتمثل في جملة من النقاط, التي ربما إن أخذنا أنفسنا بها سنصل الى تلكمُ الغايات:
إن معظم هذه المحاولات, أو أشباه الحلول, لا تعني المواطن العادي في شيء, بل هي لن تفيد الا إذا طبقت من التكتلات السياسية المختلفة و الأحزاب المؤثرة الموجودة في الساحة.
أخيراً, قد يكون في كلامي ما لا يعجب بعض الأطراف أو الكثير منها, ولكني أدعو جميعها بصدق و بحرقة و غيرة على الوطن, و بحب نابع من الإخلاص لله وحده, أدعوهم الى أن يلقو ما لا يعجبهم من الكلام ورائهم ظهرياً, و أن يأخذو من الحلول ما هو ذو فائدة عامة, لا يرفضه إلا متكبر أناني يقدم مصلحته الشخصية على مصلحة الوطن. و الحمد لله الذي هو وحده من وراء القصد, ومنه التوفيق, و عليه التكلان.
لقد عزمت على كتابة مقالة أرد فيها على مقالة كانت تنتقد أحد أعضاء المجلس الوطني و لم يكن فيها ذلك النقد البناء المطلوب, ولكني تراجعت عن هذا بعد أن تيقنت أن هذا المنهج في النقد لا يقتصر على هذه المقالة فقط وإنما ينتشر بين الكتّاب كطريقة ربما للتعبير عن خوف يعتلجهم, أو لإثارة أمر ما و الوصول الى مبتغى معين. وها قد تغير عزمي من الرد على مقالة بعينها الى الرد على الاسلوب المنتشر و التنويه الى خطورته, و محاولة إعطاء بعض الملاحظات التى قد تفيد الجميع في هذه المرحلة الحرجة.
إن أصل المشكلة و أصل الجدال و اللغط الحاصل يتمثل في إيجاد ثم كفائة أي مستند يمكن الرجوع اليه حاليا في مقاضاة او متابعة المجلس و أعضائه و أفعالهم. فهل الاعلان الدستوري المؤقت الحالي يتيح او يشمل مثل هذه المتابعات؟ لست بصدد الإجابة عن هذا السؤال الآن فهذا ليس مقصدي من المقال, و يمكن الرجوع الى الإعلان الدستوري, و هو موجود, بل أعضاء الدولة الحالية هم من يجدر بهم الإجابة عن هذا السؤال, ليس كإتهام يجب إثبات البرائة منه, بل كقاعدة يجب توافرها لصالح الوطن و المواطنين ولصالح الدولة و أعضائها. و هذا ما يجعل الجميع يتخوفون من ان يستغل اعضاء المجلس مراكزهم وسلطتهم في ظل غياب اي نضام رقابي مطمئن. ومع وجود هذه الفجوة و هذا الخوف, بغض النظر عن حقيقته, يستمر النقد و الجدال و توجيه الإتهامات و التساؤلات.
قد يقول أحدهم أن النقد مطلوب حتى مع وجود هذا النظام المطمئن و الناجع, وذلك مما لا يختلف عليه إثنان. أقول: إن اسلوب النقد حينها سيختلف, لأن اسباب الخوف و الحذر التي تجعل المواطنين يقفزون فزعاً من أي شيئ مريب, و تجعل أقلام النقاد تتحول الى خناجر في اعناق المتهمين ستزول و تتضائل, نعم إن هذه الاسباب ستذهب مع وجود النظام المطمئن الضامن لحقوق الجميع, و المهدئ لأسلوب النقد.
ولكننا الآن في مرحلة حرجة فنحن بالكاد تعرفنا على أعضاء هذا المجلس الكرام, و لا تزال الأمور محاطة بالغبش و الضباب, فما هو الحل لتجنب هذا الاسلوب الجارح في النقد؟ في إعتقادي, إن الاخلاص لله و للوطن هو الحل الوحيد و الاشمل لمثل هذه المشاكل, فإن إجتمعنا بكل فئاتنا و مذاهبنا على ان لا نخط كلمة و أن لا نقدم على فعل شيء إلا لصلاح هذا الوطن و في نطاق المصلحة العامة لا الأنانية المحضة, فإنه بالتأكيد سيصب في مجرى البناء و الرقي بهذا الوطن. إنَّ من أهم الحقائق و أوضحها وأجلاها لتحقيق الحضارة المنشودة, هي التخلي التام عن الرعونات النفسية و الأنانيات الفردية والجماعية.و ليعلم كل متسلق انه إنما يصعد على جبل من الجثامين, و إن لم يقتل منهم أحد, فسيتلطخ بدمهم حتما.
يحب أن تكون كل مقالات المثقفين الموجهة الى الحكومة, سواء الحالية او أي حكومة مستقبلية, يجب أن تكون نابعة من خوف على الوطن, مملوؤة بالحب و النصيحة الصادقة و تغليب حسن الضن حتى يتبين الحق الجلي, لا أن تكون موجهة بغل و بإنفعال عاطفي يُلجئ المتهم او المسؤول الي الرد بجفاء او اتخاذ موقف عدائي من الاخوة الناصحين, بل يجب ان نُكوِّن من مقالاتنا هذه جسورَ صداقة و تناصح لكي يكون الكلام مخاطبا للقلب و العقل لا تحجبه اسوار التشكيك و خناجر التخوين.
أما ان تقوم المضاهرات المنددة بالمجلس أو بأي من افعاله الآن فهذا في نظري قصر نظر و بعد عن الحكمة. أعتقد ان الطريقة التقليدية للتعبير عن سخط الشارع بالمضاهرات هي من الطرق اللتي ينبذها التحظر و تمقتها العقلانية, إني أدعوا كل المثقفين أن يبدلو هذه الطريقة اللتي لا تخلو من الغوغائية بطرق اخرى, كمؤتمر دوري أو منتدى يضم كل الفئات المتحدة على عدة مطالب لتجبر الحكومة على الحوار البناء و لتفهم المسؤلين ما تريد بكل روية و عقلانية, وان لم يستجيبو تشعَل عندها مواقد الغضب و نخرج جميعا للنداء و الهتاف و التضاهر. أتمنى أن لا ندع حب الرياسة و حب الظهور يستولي على كتاباتنا و ردودنا و تحكيمنا, و أرجو أن لا نهيئ بهذه الافعال مستنقعا يعثو فيه الطابور الخامس و بقايا “الفوضى” كما يشاؤن, ويكون لهم كالمدخل الآمن و القناع الساتر لينفثو سمومهم كما يحلو لهم, وقد يجدونها حلبة مناسبة لحصد المزيد من أرواح ابنائنا.
و في الختام أعود فأقول: يجب على كل فرد منا أن يكون “وطنياً” لا يشغله هم و لا يعتريه خوف الا على الوطن الغالي الحبيب, و يجب علينا بكل فئاتنا أن لا نكتب و لا ننشغل الا بما يفيد الوطن و يصب في صالحه, لا أن نقوم الى همومنا الشخصية و أنانياتنا الجماعية و الفردية و نصعد بها على أكتاف المصالح الوطنية المثقلة, مما يؤدي الى كسر عمودها الفقري وتشقق و حدتنا الوطنية. وعلينا أيضاً أن لا نكون “مجلسيين” مداهنين و لاهين عن المراقبة و المحاسبة و الإصلاح. لا إفراط و لا تفريط. و الحمد لله الذي اليه القصد, وهو المستعان, وعليه التكلان وحده.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
__________________________________________________
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.